السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

13

مفاتيح الأصول

من القائلين بالدلالة على الحال فلأن الظاهر أن مرادهم أنه يدل عليه بالوجه الثاني دون الأول لأن الظَّاهر من عبائر النحاة في تعريفهم الاسم والفعل بما اقترن بأحد الأزمنة الثلاثة كما في الأول وبما اقترن به كما في الثاني خروج الزمان عن المدلول الحقيقي للاسم وعدم كونه جزءا له ومع هذا فقد صرّح به نجم الأئمة طاب ثراه وليس في كلام القائلين بالدلالة على الحال تصريح بجزئية الزمان للمشتق والدلالة على الحال لا تنحصر وجهها في الوضع لاحتمال كونها بالالتزام والقيدية كدلالة العمى على البصر فاللازم حينئذ حمل كلام القائلين بالدلالة على الحال على الدلالة بغير الوضع لأن الأصل عدم التعارض بين كلامي أئمة الفنين على أنا نقول لو كانت كلمات القائلين بالدلالة على الحال ظاهرة في اعتبار الزمان في نفس المفهوم كان اللازم تنزيلها على خلاف الظاهر حيث إن كلمات النحاة أظهر دلالة في نفي اعتباره بل لا بعد في دعوى صراحتها لأن حمل كلامهم على أن المراد نفي دلالة الاسم بالوجه الأخير وإن جاز دلالته عليه بالوجه الأول فاسد لأن جعلهم تعريف الاسم مقابلا لتعريف الفعل مع كونه عندهم يدل على الزمان وضعا أوضح شاهد على ما ذكرناه فوجب حينئذ التنزيل أيضا لما قدمناه من الأصل لا يقال نمنع من الأصل المزبور إذ مرجعه إلى أصالة التلازم بين المذهبين ولا دليل عليه إذ التلازم إما عقلي أو عادي وكلاهما مفقودان هنا أما الأول فلأنه لامتناع في أن يذهب فريق إلى أمر وآخرون إلى خلافه وأما الثاني فلأن مخالفة فريقين في أمر غير عزيز على أنه لو كان ذلك الأصل مسلكا في تحصيل الاتفاق والجمع بين الكلمات لوجب دعوى الاتفاق بمجرد تصريح جماعة إذا لم يصرّح الباقون بخلافه أو يكون عبارتهم أضعف دلالة لما ذكرت من أن الأصل الاتحاد في المذهب وذلك معلوم الفساد لمن لاحظ سيرة العلماء ولذا احتمل الفاضل الچلبي التفرقة بين مذهب أهل العربية والأصول في المقام ومع هذا لو قلنا بأن القائلين بالحال يذهبون إلى عدم الدلالة عليه بالجزئية لئلا يعارض كلام النحاة يلزم أن يعارض كلامهم لكلام علماء البيان فإنهم قالوا على ما حكي بأن المشتق لا يفيد التقييد بأحد الأزمنة والأصل عدم المغايرة أيضا وحيثما تعارض الأصلان وجب الأخذ بظاهر كلام الأصوليين لسلامته حينئذ عن المعارض لأنا نقول مستندنا في الأصول المزبورة هو غلبة اتحاد مذهب أهل العربية والأصول المفيدة للظن بحيث يوجب صرف ظاهر كلام أهل الأصول إلى كلام أهل العربية وادعاء اتحاد مرادهم بل ربما يحصل من هذه الغلبة العلم العادي بذلك وهذه الغلبة حيثما تحققت إفادة الظن ولكن لا يمكن معه دعوى الاتفاق الذي هو دليل قطعي نعم يمكن دعوى ظهور الاتفاق ولهذا استغرب بعض المتأخرين ما احتمله الچلبي فقال ما أعاده الفاضل المحشي من جواز مغايرة العربية للأصول لا يخلو عن غرابة لأن الأصوليين يستدلون على الحقيقة في هذا المقام بكلام أهل العربية ومقتضاه عدم المغايرة انتهى ولعل من لم يحصل الاتفاق بما ذكر يشترط في دعواه العلم به أو يمنع من ثبوت الغلبة في جميع الموارد وأما كلام علماء البيان فهو معارض لكلام القائلين بالدلالة على الحال لا محالة لأن مقصودهم على الظاهر أنه لا يدل عليه بشيء من الوجهين السابقين كما عليه أكثر الأصوليين لا أنه لا يدل عليه بطريق القيدية وإن جاز الدلالة عليه بطريق الجزئية فتبقى حينئذ أصالة عدم معارضة مذهبهم لمذهب النحويين سليمة عن المعارض لأنهم نفوا الدلالة الخاصّة وهي الدلالة بطريق الجزئية لا مطلق الدلالة فإذن الظاهر أن محل النزاع في دلالة المشتق على الحال بطريق القيدية لا الجزئية لاتفاق الكل كما عرفت على عدم دلالته عليه بطريق الجزئية ولو سلم وجود الخلاف فيه فالحق عدم الدلالة كما قلناه في صدر المبحث تمسّكا بكلام النحاة ولا يعارضه مذهب المخالف لترجيح الأول بأظهرية عبائرهم في الدلالة على ذلك وموافقته لمذهب علماء البيان وأكثر الأصوليين وبما سيأتي إن شاء الله من الأدلة الدالة على أن المشتق موضوع للمعنى الشامل للحال والماضي المستلزم لعدم الدلالة على الزمان مطلقا لا الماضي ولا الحال لا بالجزئية ولا بالقيدية وأما عدم دلالته على زمان الحال بالقيدية فهو اختيار العلامة في التهذيب والمبادي والنهاية والسيّد عميد الدين في المنية والشهيد في الذكرى والمحقق الثاني في جامع المقاصد والفاضل البهائي في الزبدة وحكي عن ابن سينا ومن تبعه من الحكماء وعبد القاهر والشافعي وتابعيه وأبي علي وأبي هاشم في أحد النقلين وعزاه السيد عميد الدين في المنية والشهيد الثاني في ظاهر الروضة والتمهيد وغيرهما إلى أصحابنا الإمامية وعزاه أيضا إلى المعتزلة وفي المبادي للعلامة أنه مذهب أكثر المحققين وفي المطول أنه مذهب الأكثر وذهب البيضاوي في المنهاج إلى دلالته على الحال وأنه لو أطلق على الذات المتصفة بالمبدأ في الزمن الماضي كان مجازا وهو المحكي عن الرازي والحنفية ومرجع هذا النزاع إلى أن المشتق هل وضع للذات التي تحقق تلبسها بالمبدأ سواء كانت في الحال متلبسة به أو انقضى عنه التلبس كما ذهب إليه الأولون فيكون الموضوع له مفهوما كليا وقدرا مشتركا بين الزمانيين